أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

301

العقد الفريد

فأما كتابك إليّ فلعمري لقد ضعف فيه عقلك ، واستخف به حلمك ، فلله أبوك ! أفلا انتصرت بقضاء اللّه دون قضائك ، ورجاء اللّه دون رجائك وأمتّ غيظك وأمنت عدوك ، وسترت عنه تدبيرك ، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته ؟ ولكنك لم تستشفّ « 1 » الأمور علما ، ولم ترزق من أمرك حزما ، جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوأ أمرك ، فكان الجفاء من خليقتك ، والحمّق من طبيعتك ، وأقبل الشيطان بك وأدبر ، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك ، فتحذلقت حنجرتك لقوله ، واتسع جوانبها لكذبه ، وأما قولك لو ملكك اللّه لعلّقت زينب ابنة يوسف بثدييها ؛ فأرجو أن يكرمها اللّه بهوانك وأن لا يوفق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك ؛ مع أني أعرف أنك كتبت إلي والشيطان بين كفيك ، فشرّ ممل علي شرّ كاتب راض بالخسف « 2 » ، فأحر بالحق أن لا يدلك على هدى ، ولا يردّك إلا إلى ردى ؛ وتحلب فوك للخلافة ، فأنت شامخ البصر ، طامح النظر تظن أنك حين تملكها لا تنقطع عنك مدتها ؛ إنها للقطة اللّه ، أسأل اللّه أن يلهمك فيها الشكر . مع أني أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك وأخوك فأكون لك مثلي لهما ، وإن نفخ الشيطان في منخريك فهو أمر أراد اللّه نزعه عنك وإخراجه إلى من هو أكمل به منك ؛ ولعمري إنها النصيحة فإن تقبلها فمثلها قبل ، وإن تردّها علي اقتطعتها دونك وأنا الحجاج . الحجاج والوليد وأم البنين : قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك ، فدخل عليه وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية ، وكنانة « 3 » ؛ فبعثت إليه أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان : من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلالة « 4 » ؟ فبعث إليها : هذا الحجاج بن

--> ( 1 ) لم تستشف : لم تستوعب . ( 2 ) الخسف : الظلم . ( 3 ) الكنانة : جعبة صغيرة من أدم للنبل . ( 4 ) الغلالة : ثوب رقيق يلبس تحت الدّثار .